محمد حسين الذهبي
264
التفسير والمفسرون
حقيقة الخلاف : ونحن مع هذا البعض الذي نقل عنه الراغب هذا التحقيق إن وقف الفريق الأول عند المنقول فلم يتجاوزه ، وأجاز الفريق الثاني لكل أحد الخوض في التفسير والكلام فيه ؛ إذ أن الجمود على المنقول تقصير وتفريط بلا نزاع ، والخوض في التفسير لكل إنسان غلو وإفراط بلا جدال . ولكن لو رجعنا إلى هؤلاء المتشددين في التفسير وعرفنا سر تشددهم فيه ، ثم رجعنا إلى هؤلاء المجوزين للتفسير بالرأي ووقفنا على ما شرطوه من شروط لا بد منها لمن يتكلم في التفسير برأيه ، وحللنا أدلة الفريقين تحليلا دقيقا ، لظهر لنا أن الحلاف لفظي لا حقيقي ، ولبيان ذلك نقول : الرأي قسمان : قسم جار على موافقة كلام العرب ومناحيهم في القول ، مع موافقة الكتاب والسنة ، ومراعاة سائر شروط التفسير ، وهذا القسم جائز لا شك فيه ، وعليه يحمل كلام المحيزين للتفسير بالرأي . وقسم غير جار على قوانين العربية ، ولا موافق للأدلة الشرعية ، ولا مستوف لشرائط التفسير ، وهذا هو مورد النهى ومحط الذم ، وهو الذي يرمى إليه كلام ابن مسعود إذ يقول : « ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب اللّه وقد نبذوه وراء ظهورهم ، فعليكم بالعلم ، وإياكم والتبدع ، وإياكم والتنطع » وكلام عمر إذ يقول « إنما أخاف عليكم رجلين ، رجل يتأول القرآن على غير تأويله ، ورجل ينافس الملك على أخيه » وكلامه إذ يقول « ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه ؛ ولا من فاسق بين فسقه ، ولكني أخاف عليها رجلا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه ، ثم تأوله على غير تأويله » . . . فكل هذا ونحوه ، وارد في حق من لا يراعى في تفسير القرآن قوانين اللغة ولا أدلة الشريعة ، جاعلا هواه رائده ، ومذهبه قائده ، وهذا هو الذي يحمل عليه كلام المانعين للتفسير بالرأي ، وقد قال ابن تيمية - بعد أن ساق الآثار عمن